سميح عاطف الزين
587
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فإن العلم سيجترح العجائب ، لأن الإسراء والمعراج تمّ بواسطة نقل ربانية اخترقت جاذبية الأرض وطبقات الأثير ، وطوت المسافات فانعدمت أمامها المسافات ، وطوت الزمن فانعدم أمامها الزمن ، الذي لا دليل عليه إلا تعاقب الليل والنهار ، وطلوع القمر هلالا في يوم سميناه أول الشهر ، واختفاؤه في يوم آخر سميناه آخر الشهر ، ولا دليل عليه أيضا إلا تقسيم فترات بياض النهار إلى ساعات تتحدّد بطلوع الشمس ومغيبها . . هذا وقد حقّق اللّه العلي العظيم لنبيّه الكريم تلك المعجزة في رحلة كونية كانت للأمس القريب غريبة عجيبة ، وصارت اليوم - وبعد غزو القمر ، مرارا وتكرارا ، وبعد إرسال الأقمار الصناعية إلى كواكب أبعد بكثير من القمر - أقرب إلى الذهن والمعقول ، وإن كانت بحد ذاتها وواقعها مدهشة مذهلة كأكثر معجزات الأنبياء والرسل في عالم التقدير والاعتبار . . وإذا كان للعقل الإنساني أن يفهم بعض مدلولات المعراج ، فإنه بالإضافة إلى اطمئنان نفس محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كان للبرهان على الخروج من نطاق هذا الكوكب الأرضي الذي يسبح في الفضاء ، ليعرف الذين ينكرون البعث ، بأنهم غير باقين في هذه الأرض بعد انحلال أجسامهم ، وأنهم لا شك مبعوثون جسدا وروحا ونفسا ، في مكان ما من عوالم اللّه تعالى ، التي لا يعلمها إلّا هو سبحانه ، ولكي يتفكروا في خلق السماوات والأرض وما يحيط بهنّ . . هذا إلى كون الإسراء والمعراج أخيرا بمثابة الهزة التي تصيب الضمائر والعقول لإيقاظ الغافلين من غفلتهم ، وجعلهم يعتبرون ، ويقرّون بحقيقة وجود اللّه تعالى ، لا سيما وأن في حياتهم الدليل والبرهان على خالق لهم . ومن يقدر على هذا